الشيخ محمد علي طه الدرة
668
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
به ، فيقول الغريم لصاحب الحقّ : زدني في الأجل ، حتّى أزيدك في المال ، فيفعلان ذلك ، وكانوا يقولون : سواء علينا الزيادة في أوّل البيع بالرّبح ، أو عند المحلّ لأجل التأخير ، فكذّبهم اللّه تعالى ، وردّ عليهم بقوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا . هذا ؛ ولم يقل : إنّما الرّبا مثل البيع ، مع أن الكلام في الرّبا لا في البيع ؛ لأنّه جيء به على طريقة المبالغة ، ويسمّى التشبيه المقلوب ، وهو أعلى مراتب التشبيه ؛ حيث يجعل المشبّه مكان المشبّه به ، والأصل في الآية أن يقال : الربا مثل البيع ، ولكنّه بلغ من اعتقادهم في حل الرّبا أن جعلوه أصلا يقاس عليه ، فشبهوا به البيع ، والتشبيه المقلوب باب واسع من أبواب النّحو ، انظر كتابنا : « فتح القريب المجيب » ، وخذ منه قول رؤبة بن العجّاج وهو الشاهد رقم [ 1187 ] منه : [ الرجز ] ومهمه مغبرّة أرجاؤه * كأنّ لون أرضه سماؤه وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا : أي : وأحل اللّه لكم الأرباح في التّجارة بالبيع ، والتجارة ، وحرّم الرّبا الذي هو زيادة المال لأجل تأخير الأجل ، وذلك لأنّ اللّه تعالى خلق الخلق فهم عبيده ، وهو مالكهم يحكم فيهم بما شاء ، ويستعبدهم بما يريد ، وليس لأحد أن يعترض عليه في شيء ممّا أحلّ ، أو حرّم ، وإنما على كافة الخلق الطّاعة ، والتسليم لحكمه ، وأمره ، ونهيه . فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي : فمن بلغه وعظ من اللّه ، وزجر بالنّهي عن الرّبا ، وإنما ذكر الفعل ؛ لأنّ الموعظة من المؤنث المجازي ، ولأنّ الوعظ ، والموعظة شيء واحد . فَانْتَهى : عن أكل الربا . فَلَهُ ما سَلَفَ : تقدّم أخذه قبل التحريم ، لا يسترد منه ما أخذه بعقد الربا . وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ يعني : بعد النّهي ، إن شاء عصمه ؛ حتى يثبت على الانتهاء ، وإن شاء خذله ؛ حتى يعود إلى أكل الرّبا . وقيل : معناه : وأمره إلى اللّه فيما يأمره ، وينهاه ، ويحلّ له ، ويحرم عليه ، وليس له من أمر نفسه شيء ، والمعنى في حق المسلم : فأمره إلى اللّه إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عذبه . وَمَنْ عادَ : إلى أكل الرّبا بعد التّحريم ، والنّهي . فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ، والآية تفيد تخليد آكل الرّبا في النار ، وهذا مع الاستحلال ؛ لأنّهم بالاستحلال صاروا كافرين ؛ لأن من أحلّ ما حرّم اللّه - عز وجل - فهو كافر ، فلذا استحقّ الخلود ، وبهذا تبيّن : أنّه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفاسقين في النّار . هذا وبين ( أَحَلَّ ) و ( حَرَّمَ ) طباق ، وهو من المحسّنات البديعية ؛ أما الحرام في الأصل فهو كلّ ممنوع ، والحرمات كلّ ممنوع منك ممّا بينك وبين غيرك . وقولهم : لفلان بي حرمة ؛ أي : أنا ممتنع من مكروهه ، وحرمة الرّجل محظورة به من غيره ، وقوله تعالى : وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ فالمحروم : هو الممنوع من المال ، والتلذّذ به ، والإحرام بالحجّ ، والعمرة : هو المنع من أمور معروفة في الفقه الإسلاميّ .